محمود محمود الغراب

152

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

مكتوبة في الميزان لصاحب السجلات ، طاشت السجلات وما وزنها شيء ، ولو وضعت أصناف العالم ما وزنتها ، وهي لفظة من قائل لم يتصف بالمحبة ، فما ظنك بقول محب ؟ ! فما ظنك بحاله ؟ ! فما ظنك بقلبه الذي هو أوسع من رحمة اللّه ؟ ! « 1 » وسعته إنما كانت من رحمة اللّه ، فهذا من أعجب ما ظهر في الوجود ، أن اتساع القلب من رحمة اللّه ، وهو أوسع من رحمة اللّه ، يقول أبو يزيد : « لو أن العرش وما حواه مائة ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس بها » فكيف حال المحب ؟ ! المحب اللّه - تعالى عن الموازنة محبوب الحق عند الحق ، لأن المحب لا يفارق محبوبه ، وما عند اللّه باق ، فالمحبوب باق ، وما يبقى ما يوازنه ما يفنى . ( ف ح 2 / 361 ) المحب يقول عن نفسه : إنه عين محبوبه : اعلم أن الصدق في المحبة يجعل المحب يتصف بصفة المحبوب ، فإن المحب إذا عشق من صفته كذا ، حكم عليه هذا المعشوق ، فنقله إليه وكساه من ملابسه ، فأخرجه عن الذي يقتضيه عالم الطبيعة من كدر الشبه ، إذا كان المعشوق علما ، والشبهات والحرام ، إذا كان المعشوق عملا ، والشهوات الطبيعية ، إذا كان المعشوق روحا مجردا عن المواد ، وعن البشرية ، إذا كان المعشوق ملكا ، وعما سوى اللّه ، إذا كان المحبوب هو اللّه ، فالمحب يقول عن نفسه : إنه عين محبوبه ، وذلك لاستهلاكه فيه ، فلا يراه غيرا له ، قال قائلهم في ذلك : « أنا من أهوى ، ومن أهوى أنا » وهذه حالة أبي يزيد « 2 » . المحب اللّه - المحب الصادق من انتقل إلى صفة المحبوب ، لا من أنزل المحبوب إلى صفته ، ألا ترى الحق سبحانه - لما أحبنا - نزل إلينا في ألطافه الخفية بما يناسبنا ؟ مما يتعالى

--> ( 1 ) راجع شرح ذلك في كتابنا « شرح كلمات الصوفية » . ( 2 ) حكي أن بعض المتحابين ركبا في البحر ، فسقط أحدهما في البحر وغرق ، فألقى الآخر نفسه في البحر ، فقام الغواصون فأخرجوهما سالمين ، فقال الأول لصاحبه : أما أنا فسقطت في البحر ، فأنت لم ألقيت نفسك ؟ فأنشد : أنا غائب بك عني * توهمت أنك أني ( مقدمة التصوف / لأبي عبد الرحمن السلمي )